الفيلسوف الفرنسي مشيل فوكو
الفَيْلَسُوفُ الفَرَنْسِيُّ مِيشِيل فُوكُو (Michel Foucault، 1926-1984)
هُوَ أَحَدُ أَكْثَرِ الفَلَاسِفَةِ الفَرَنْسِيِّينَ تَأْثِيرًا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ القَرْنِ العِشْرِينَ. اشْتَهَرَ مِيشِيل فُوكُو بِتَحْلِيلَاتِهِ النَّقْدِيَّةِ العَمِيقَةِ لِلْمُؤَسَّسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ كَالسِّجْنِ وَالمُسْتَشْفَى، وَمَفَاهِيمِ المَعْرِفَةِ وَالسُّلْطَةِ، وَتَارِيخِ الأَفْكَارِ.
مِيشِيل فُوكُو لَيْسَ فَيْلَسُوفًا «يَبْنِي» نِظَامًا فَلْسَفِيًّا عَلَى غِرَارِ كَانْط وَهِيغِل، بَلْ فَيْلَسُوفًا «يَهْدِمُ» وَيُحَلِّلُ وَيُفَكِّكُ مَا نَعْتَبِرُهُ أَمْرًا بَدِيهِيًّا.
*مَعَالِمُ فَلْسَفَتِهِ:*
تَدُورُ فَلْسَفَةُ الفَيْلَسُوفِ الفَرَنْسِيِّ مِيشِيل فُوكُو حَوْلَ تَحْلِيلِ كَيْفِيَّةِ تَشَكُّلِ المَعْرِفَةِ لَدَى المُجْتَمَعَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَلِكَيْ نَفْهَمَ مَعَالِمَ فَلْسَفَتِهِ بِدِقَّةٍ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُقَدِّمَةٍ. وَهِيَ:
أَنَّ مُصْطَلَحَ الإِبِسْتِيم (Episteme) لَدَى فُوكُو يَخْتَلِفُ بِنَحْوٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ الفَلَاسِفَةِ.
فَالإِبِسْتِيمُ لَدَى الفَلَاسِفَةِ: هُوَ مُصْطَلَحٌ يُونَانِيٌّ قَدِيمٌ يَعْنِي «المَعْرِفَةَ العِلْمِيَّةَ» أَوِ «اليَقِينَ».
فِي حِينِ الإِبِسْتِيمُ لَدَى فُوكُو: هُوَ إِطَارُ التَّفْكِيرِ اللَّاوَاعِي الَّذِي:
– يُحَدِّدُ مَا يُمْكِنُ التَّفْكِيرُ فِيهِ فِي عَصْرٍ مُعَيَّنٍ، يَتَغَيَّرُ بِقَفَزَاتٍ مُفَاجِئَةٍ (وَلَيْسَ تَرَاكُمِيًّا خَطِّيًّا).
أَنَّ فُوكُو يَنْظُرُ إِلَى إِبِسْتِيمِ الأُمَمِ نَظْرَةً أَرْكِيُولُوجِيَّةً، بِمَعْنَى أَنَّ إِبِسْتِيمَ الأُمَّةِ يُمَثِّلُ وَصْفًا لِنِظَامِ الخِطَابِ فِي لَحْظَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، دُونَ مُحَاوَلَةِ رَبْطِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ بِمَا بَعْدَهُ. وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ فِي كِتَابِهِ «الكَلِمَاتُ وَالأَشْيَاءُ».
وَلِتَوْضِيحِ الفِكْرَةِ لِلْقَارِئِ الكَرِيمِ، أَسْتَعِينُ بِهَذَا المِثَالِ:
تَخَيَّلْ عَالِمَ آثَارٍ (أَرْكِيُولُوجِيًّا) يَحْفِرُ فِي الأَرْضِ. لَا يَهْتَمُّ عَالِمُ الآثَارِ بِتَطَوُّرِ الفَخَّارِ مِنْ طَبَقَةٍ إِلَى أُخْرَى كَقِصَّةٍ مُتَّصِلَةٍ. بَلْ يَأْخُذُ كُلَّ طَبَقَةٍ (عَصْرٍ) كَوَحْدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. يَصِفُ بِالتَّفْصِيلِ: مَا نَوْعُ الفَخَّارِ المَوْجُودِ؟ مَا هِيَ الأَدَوَاتُ؟ كَيْفَ كَانَتِ البُيُوتُ مَبْنِيَّةً؟ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الطَّبَقَةِ الَّتِي فَوْقَهَا، وَيَجِدُ نِظَامًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا.
فُوكُو يَفْعَلُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ مَعَ *الخِطَابِ* (كُلُّ مَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ وَكِتَابَتُهُ فِي عَصْرٍ مُعَيَّنٍ).
وَفَرْعٌ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الحَقِيقَةَ شَيْءٌ مُنْتَجٌ لَا مُسْتَكْشَفٌ، وَهِيَ مُتَغَيِّرَةٌ بِحَسَبِ إِبِسْتِيمِ الأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ثَقَافَاتِهَا.
الرد عليه
نقد فلسفة فوكو.
هنالك الكثير من الإشكالات يمكن ان تسجل على فوكو سأذكر اهم ما يمكنني تسجيله عليه.
الاشكال الأول:
كيفَ يَتَسَنَّى لِـميشيل فوكو أَنْ يُصْدِرَ حُكْمًا عَلَى الإِبِسْتِيمَاتِ السَّابِقَةِ، مُقَرِّرًا أَنَّهَا تَشْهَدُ قَطَائِعَ وَتَحَوُّلَاتٍ فَجَائِيَّةً، فِي حِينِ أَنَّهُ يَنْتَمِي إِلَى إِبِسْتِيمٍ مُغَايِرٍ تَتَشَكَّلُ فِيهِ أُفُقُ المَعْرِفَةِ وَمَعَايِيرُهَا عَلَى نَحْوٍ مُخْتَلِفٍ جَذْرِيًّا عَمَّا كَانَ سَائِدًا فِي تِلْكَ الحُقَبِ التَّارِيخِيَّةِ؟
وَبِتَعْبِيرٍ أَدَقَّ: أَلَيْسَتِ الأَدَوَاتُ المَعْرِفِيَّةُ الَّتِي يَتَوَسَّلُ بِهَا فُوكُو—مِنْ لُغَةٍ، وَمَنْطِقٍ، وَنُظُمٍ عِلْمِيَّةٍ—هِيَ ذَاتُهَا نِتَاجًا تَارِيخِيًّا مَشْرُوطًا بِإِبِسْتِيمِ عَصْرِهِ، وَمُقَيَّدًا بِحُدُودِهِ؟ وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يُقَوِّمَ إِبِسْتِيمَاتٍ مَاضِيَةً بِوَسَائِلَ مَعْرِفِيَّةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنْ شُرُوطِهَا التَّارِيخِيَّةِ الخَاصَّةِ؟
أَلَا يَنْطَوِي ذَلِكَ عَلَى صُورَةٍ مِنَ التَّنَاقُضِ الأَدَائِيِّ، حَيْثُ يُفْتَرَضُ تَجَاوُزُ الشُّرُوطِ التَّارِيخِيَّةِ فِي حِينِ أَنَّ الأَدَاةَ النَّاقِدَةَ نَفْسَهَا أَسِيرَةٌ لَهَا؟
الاشكال الثاني:
إِذَا كَانَتِ الحَقَائِقُ تَتَوَلَّدُ وَلَا تُكْتَشَفُ، فهذا معناه إِنَّ الحَقِيقَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، إِذًن كَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَثِقَ بِالحُكْمِ الَّذِي أَصْدَرَهُ ميشيل فوكو عَلَى الإِبِسْتِيمَاتِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَأَنَّهَا تَتَطَوَّرُ فَجْأَةً؟ فَحُكْمُهُ هَذَا لَا يَمْتَلِكُ مِصْدَاقِيَّةً إِلَّا إِذَا كَانَ الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ سَارِيًا فِي جَمِيعِ العُصُورِ وَالثَّقَافَاتِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الحَقِيقَةَ ثَابِتَةٌ لَا نِسْبِيَّةَ، وَهُوَ تَنَاقُضٌ وَاضِحٌ.
الاشكال الثالث: إِنَّ ميشيل فوكو قَدْ تَجَاهَلَ الاسْتِمْرَارِيَّةَ المَعْرِفِيَّةَ، وَرَكَّزَ عَلَى القَطِيعَةِ إِلَى دَرَجَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِهْمَالِ الاسْتِمْرَارَاتِ الوَاضِحَةِ فِي تَارِيخِ العُلُومِ. فَمَثَلًا، تَظْهَرُ الرِّيَاضِيَّاتُ وَالفِيزْيَاءُ فِي تَطَوُّرِهِمَا كَتَرَاكُمٍ مَعْرِفِيٍّ حَقِيقِيٍّ، وَلَيْسَ كَمُجَرَّدِ قَفَزَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ أَوْ انْقِطَاعَاتٍ عَشْوَائِيَّةٍ بَيْنَ إِبِسْتِيمَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ.
الاشكال الرابع: إِنَّ القَطِيعَةَ الإِبْسْتِيمِيَّةَ الَّتِي يَفْرِضُهَا ميشيل فوكو أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى فَرْضٍ مُتَخَيَّلٍ مُفَادُهُ أَنَّ المُجْتَمَعَاتِ تَعِيشُ فِي حُقَبٍ زَمَنِيَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ ثُمَّ تَنْقَرِضُ كُلُّ حُقْبَةٍ قَبْلَ أَنْ تَتَّصِلَ بِحُقْبَةٍ لَاحِقَةٍ، فَيَأْتِيَ المُجْتَمَعُ اللَّاحِقُ دُونَ أَنْ يَتَعَايَشَ مَعَ المُجْتَمَعِ السَّابِقِ، وَدُونَ أَنْ تُنْقَلَ إِلَيْهِ تَجَارِبُهُ وَمَعَارِفُهُ. وَهَذَا فَرْضٌ لَا يَكادُ يَتَحَقَّقُ فِي الوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ.
وَإِنْ أُنْكِرَ هَذَا وَرُفِضَتْ فِكْرَةُ القَطِيعَةِ الإِبْسْتِيمِيَّةِ بِمَعْنَى انْقِطَاعِ الثَّقَافَاتِ وَتَبَايُنِهَا التَّامِّ، فَإِنَّ وَاقِعَ تَفَاعُلِ الثَّقَافَاتِ وَتَلَاقُحِهَا، وَتَوَلُّدِ الأَفْكَارِ الجَدِيدَةِ مِنْ أُخْرَى سَابِقَةٍ عَلَى نَحْوٍ تَرَاكُمِيٍّ وَتَدَرُّجِيٍّ، أَمْرٌ يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهُ فِي تَارِيخِ العُلُومِ وَالمَعْرِفَةِ، بِمَا يَجْعَلُ فِكْرَةَ القَطِيعَةِ المُطْلَقَةِ مُوَاجَهَةً بِتَسَاؤُلٍ مَنْهَجِيٍّ حَوْلَ مِدَى إِمْكَانِيَّةِ إِهْمَالِ عُنْصُرِ الاسْتِمْرَارِ فِي سِيَاقِ تَطَوُّرِ المَعْرِفَةِ.
الاشكال الخامس: إِنَّ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ ميشيل فوكو بِشَأْنِ التَّغَيُّرِ الإِبِسْتِيمِيِّ، بِوَصْفِهِ تَحَوُّلًا تَارِيخِيًّا فِي أَنْمَاطِ تَشَكُّلِ المَعْرِفَةِ، يُثِيرُ إِشْكَالًا مَنْهَجِيًّا يَتَعَلَّقُ بِأَسَاسِ التَّفْسِيرِ نَفْسِهِ. فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ كُلَّ إِبِسْتِيمٍ يُشَكِّلُ بِنْيَةً مَعْرِفِيَّةً مُنْغَلِقَةً نِسْبِيًّا، تَفْصِلُهَا قَطِيعَةٌ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الإِبِسْتِيمَاتِ، فَإِنَّ مَعْنَى “التَّغَيُّرِ” ذَاتَهُ يُصْبِحُ بِحَاجَةٍ إِلَى تَبْرِيرٍ خَارِجِيٍّ يُفَسِّرُ إِمْكَانَ الِانْتِقَالِ بَيْنَ هَذِهِ البُنَى المُتَمَايِزَةِ.
وَمِنْ هُنَا يُطْرَحُ التَّسَاؤُلُ: كَيْفَ يُمْكِنُ عَزْوُ هَذَا التَّحَوُّلِ إِلَى “التَّارِيخِ” بِوَصْفِهِ عَامِلًا تَفْسِيرِيًّا، إِذَا كَانَ التَّارِيخُ لَا يُفْهَمُ عِنْدَ الحَدِّ الأَدْنَى إِلَّا بِاعْتِبَارِهِ تَعَاقُبًا زَمَنِيًّا مَحْضًا، لَا يَتَضَمَّنُ فِي ذَاتِهِ قُدْرَةً سَبَبِيَّةً عَلَى إِنْتَاجِ التَّحَوُّلاتِ المَعْرِفِيَّةِ؟ إِذْ إِنَّ الزَّمَنَ، بِمَا هُوَ امْتِدَادٌ كَرُونُولُوجِيٌّ، لَا يَمْلِكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ زَمَنٌ مُجَرَّدٌ أَنْ يُنْتِجَ اخْتِلَافًا فِي البُنَى الإِبِسْتِيمِيَّةِ إِلَّا إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ مُحَدِّدَاتٌ تَفْسِيرِيَّةٌ أُخْرَى.
غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ المُحَدِّدَاتِ—سِيَاسِيَّةً كَانَتْ أَوْ اجْتِمَاعِيَّةً أَوْ ثَقَافِيَّةً—هِيَ بِالضَّبْطِ مَا يَتَحَفَّظُ عَلَيْهِ التَّصَوُّرُ الفُوكَوِيُّ، حَيْثُ يَرْفُضُ رَدَّ التَّحَوُّلاتِ المَعْرِفِيَّةِ إِلَى عِلَلٍ خَارِجِيَّةٍ خَطِّيَّةٍ أَوْ اخْتِزَالِيَّةٍ. وَبِذَلِكَ يَنْشَأُ تَوَتُّرٌ دَاخِلِيٌّ: فَإِمَّا أَنْ يُفْهَمَ التَّغَيُّرُ الإِبْسْتِيمِيُّ بِوَصْفِهِ نَتِيجَةَ شَبَكَةِ عَوَامِلَ تَارِيخِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِي الِاعْتِرَافَ بِنَوْعٍ مِنَ السَّبَبِيَّةِ غَيْرِ الزَّمَنِيَّةِ الصِّرْفَةِ؛ وَإِمَّا أَنْ يُكْتَفَى بِمَفْهُومِ “التَّارِيخِ” كَإِطَارٍ وَصْفِيٍّ لَا يُفَسِّرُ التَّحَوُّلَ، فَيَفْقِدُ الخِطَابُ قُدْرَتَهُ عَلَى تَعْلِيلِ القَطِيعَةِ نَفْسِهَا.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الإِشْكَالَ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ مَفْهُومَ التَّحَوُّلِ الإِبْسْتِيمِيِّ، كَمَا يُقَدَّمُ، يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ رَفْضِ التَّفْسِيرِ السَّبَبِيِّ التَّقْلِيدِيِّ، وَبَيْنَ الحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ إِلَى تَفْسِيرٍ يُبَيِّنُ كَيْفَ وَلِمَاذَا يَحْدُثُ الِانْتِقَالُ بَيْنَ أَنْظِمَةِ المَعْرِفَةِ، وَهُوَ مَا يَضَعُ المَشْرُوعَ فِي حَالَةِ تَوَتُّرٍ إِبْسْتِمُولُوجِيٍّ غَيْرِ مَحْسُومٍ.
الاشكال السادس: إِنَّ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ ميشيل فوكو بِشَأْنِ كَوْنِ الحَقِيقَةِ وَالقِيمِ نَتَاجًا لِتَشَكُّلَاتٍ إِبْسْتِيمِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ، يُثِيرُ إِشْكَالًا جَوْهَرِيًّا يَتَعَلَّقُ بِأَسَاسِ الحُكْمِ الأَخْلَاقِيِّ وَإِمْكَانِ مَعْيَارِيَّتِهِ. فَإِذَا كَانَتِ الحَقَائِقُ—بِمَا فِي ذَلِكَ التَّصَوُّرَاتُ القِيمِيَّةُ—لَا تُكْتَشَفُ بِوَصْفِهَا مَعَايِيرَ ثَابِتَةً، بَلْ تَتَوَلَّدُ دَاخِلَ أَنْسَاقٍ خِطَابِيَّةٍ مُتَغَيِّرَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى نَتِيجَةٍ لَازِمَةٍ مَفَادُهَا أَنَّ القِيمَ الأَخْلَاقِيَّةَ لَيْسَتْ إِلَّا تَعْبِيرَاتٍ دَاخِلِيَّةً عَنْ شُرُوطٍ إِبْسْتِيمِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، لَا تَمْتَلِكُ صَلَاحِيَّةً تَتَجَاوَزُ سِيَاقَهَا التَّارِيخِيَّ.
وَعَلَى هَذَا، يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ أَنَّ الفِعْلَ الَّذِي يُعَدُّ “قِيمَةً أَخْلَاقِيَّةً رَفِيعَةً” دَاخِلَ إِبِسْتِيمٍ مُعَيَّنٍ قَدْ يُعَادُ تَوْصِيفُهُ بِوَصْفِهِ “جَرِيمَةً” أَوْ “انْحِرَافًا” دَاخِلَ إِبِسْتِيمٍ آخَرَ، دُونَ وُجُودِ مَعْيَارٍ خَارِجِيٍّ ثَابِتٍ يُحْكَمُ إِلَيْهِ فَصْلُ الحُكْمِ بَيْنَ الحَالَتَيْنِ. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ تُفْضِي إِلَى تَفْرِيغِ الخِطَابِ الأَخْلَاقِيِّ مِنْ إِمْكَانِهِ النَّقْدِيِّ، إِذْ يَفْقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى إِصْدَارِ أَحْكَامٍ مَعْيَارِيَّةٍ مُلْزِمَةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ.
وَمِنْ ثَمَّ، يَنْشَأُ تَوَتُّرٌ دَاخِلِيٌّ فِي هَذَا التَّصَوُّرِ: فَإِمَّا أَنْ تُؤْخَذَ نِسْبِيَّةُ القِيمِ عَلَى إِطْلَاقِهَا، فَيَنْتَفِي أَيُّ أَسَاسٍ مَوْضُوعِيٍّ لِلْحُكْمِ الأَخْلَاقِيِّ يَتَجَاوَزُ الإِبْسْتِيمَاتِ، وَيَغْدُو الخِطَابُ الأَخْلَاقِيُّ مُجَرَّدَ وَصْفٍ لِتَبَدُّلِ المَعَايِيرِ لَا تَقْوِيمًا لَهَا؛ وَإِمَّا أَنْ يُفْتَرَضَ وُجُودُ إِمْكَانِيَّةٍ لِلْحُكْمِ عَلَى الأَنْظِمَةِ القِيمِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ مِنْ مَوْقِعٍ نَقْدِيٍّ يَتَجَاوَزُهَا، وَهُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرَافَ ضِمْنًا بِمَعْيَارِيَّةٍ تَتَخَطَّى حُدُودَ الإِطَارِ الإِبْسْتِيمِيِّ، الأَمْرُ الَّذِي يَتَعَارَضُ مَعَ النِّسْبِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ المُفْتَرَضَةِ أَصْلًا.
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِشْكَالَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِ القِيمِ عَبْرَ الأَزْمِنَةِ، بَلْ بِقُدْرَةِ الخِطَابِ نَفْسِهِ عَلَى تَبْرِيرِ أَيِّ حُكْمٍ أَخْلَاقِيٍّ ذِي طَابِعٍ نَقْدِيٍّ أَوْ إِلْزَامِيٍّ دُونَ الوُقُوعِ فِي تَنَاقُضٍ بَيْنَ النِّسْبِيَّةِ المُعْلَنَةِ وَالحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ إِلَى مَعْيَارٍ يَتَجَاوَزُهَا.
وَبِقَوْلٍ مُخْتَصَرٍ: إِذَا كَانَتِ الحَقِيقَةُ تُنْتَجُ وَلَا تُسْتَكْشَفُ، فَإِنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأَخْلَاقِ وَالقِيمِ وَالمَبَادِئِ يَغْدُو مَوْضِعَ إِشْكَالٍ جِدِّيٍّ، إِذْ لَعَلَّ مَا يُعَدُّ قِيمَةً رَاقِيَةً فِي إِبِسْتِيمٍ مُعَيَّنٍ يُعْتَبَرُ جَرِيمَةً فِي إِبِسْتِيمٍ آخَرَ، وَبِالتَّالِي يَنْهَارُ أَسَاسُ النَّقْدِ الأَخْلَاقِيِّ بِوَصْفِهِ نِظَامًا مَعْيَارِيًّا مُتَجَاوِزًا لِلسِّيَاقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ.
الاشكال السابع:
يَطْرَحُ التَّصَوُّرُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ ميشيل فوكو حَوْلَ كَوْنِ الحَقِيقَةِ نَتَاجًا لِتَشَكُّلَاتِ السُّلْطَةِ إِشْكَالًا إِبْسْتِمُولُوجِيًّا حَادًّا يَتَعَلَّقُ بِإِمْكَانِ اتِّسَاقِ هَذَا الطَّرْحِ مَعَ ذَاتِهِ مِنَ النَّاحِيَةِ المَنْطِقِيَّةِ. إِذْ يَفْتَرِضُ هَذَا التَّصَوُّرُ أَنَّ مَا يُعَدُّ “حَقِيقَةً” لَيْسَ مُعْطًى مُسْتَقِلًّا أَوْ كَاشِفًا عَنْ وَاقِعٍ مَوْضُوعِيٍّ، بَلْ هُوَ نَتَاجٌ لِبُنًى سُلْطَوِيَّةٍ وَآلِيَّاتِهَا فِي إِنْتَاجِ الخِطَابَاتِ وَتَرْسِيخِهَا. غَيْرَ أَنَّ هَذَا المَوْقِفَ، عِنْدَ صِيَاغَتِهِ فِي صُورَةِ قَضِيَّةٍ عَامَّةٍ أَوْ تَفْسِيرٍ شَامِلٍ لِبِنْيَةِ الحَقِيقَةِ، يُثِيرُ سُؤَالًا نَقْدِيًّا حَوْلَ وَضْعِهِ المَعْرِفِيِّ نَفْسِهِ: هَلْ تُعَدُّ عِبَارَةُ “الحَقِيقَةُ نَتَاجُ السُّلْطَةِ” حَقِيقَةً بِالمَعْنَى الَّذِي تَنْفِيهِ، أَمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ؟
فَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا حَقِيقَةٌ، لَزِمَ أَنْ تَكُونَ بِدَوْرِهَا خَاضِعَةً لِشُرُوطِ إِنْتَاجِهَا التَّارِيخِيَّةِ وَالسُّلْطَوِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَفْقِدُ أَيَّ ادِّعَاءٍ بِالعُمُومِ أَوِ الإِطْلَاقِ، وَتَغْدُو مُجَرَّدَ تَعْبِيرٍ عَنْ مَوْقِعٍ سُلْطَوِيٍّ مَخْصُوصٍ دَاخِلَ سِيَاقٍ إِبْسْتِيمِيٍّ مُعَيَّنٍ، لَا يَمْلِكُ امْتِيَازًا مَعْرِفِيًّا يُبَرِّرُ قَبُولَهُ خَارِجَ حُدُودِهِ. وَبِذَلِكَ يَنْتَفِي الأَسَاسُ الَّذِي يَمْنَحُهَا صِفَةَ التَّفْسِيرِ الكُلِّيِّ، إِذْ تُصْبِحُ بِدَوْرِهَا حَالَةً ضِمْنَ مَا تَصِفُهُ لَا مَبْدَأً حَاكِمًا عَلَيْهِ.
وَإِنْ قِيلَ إِنَّهَا لَيْسَتْ حَقِيقَةً، سَقَطَتْ عَنْهَا الحُجِّيَّةُ المَعْرِفِيَّةُ، وَلَمْ يَعُدْ ثَمَّةَ مُوجِبٌ إِبْسْتِمُولُوجِيٌّ لِلِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا بِوَصْفِهَا تَفْسِيرًا لِبِنْيَةِ إِنْتَاجِ الحَقِيقَةِ أَصْلًا.
وَعَلَيْهِ، يَنْشَأُ تَوَتُّرٌ مَنْطِقِيٌّ دَاخِلِيٌّ فِي هَذَا التَّصَوُّرِ مَفَادُهُ أَنَّهُ إِنْ أُخِذَ عَلَى إِطْلَاقِهِ انْقَلَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْضِعُ ذَاتَهُ لِمَا يَنْفِيهِ، وَإِنْ أُخْرِجَ مِنْ نِطَاقِ الحَقِيقَةِ فَقَدَ أَسَاسَهُ التَّفْسِيرِيَّ. وَبِذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ الخِطَابَ القَائِلَ بِأَنَّ الحَقِيقَةَ نَتَاجُ السُّلْطَةِ يُوَاجِهُ إِشْكَالًا فِي الاتِّسَاقِ الذَّاتِيِّ، يَتَمَثَّلُ فِي صُعُوبَةِ تَبْرِيرِ وَضْعِهِ المَعْرِفِيِّ دُونَ الوُقُوعِ فِي أَحَدِ شَقَّيِ التَّنَاقُضِ: إِمَّا النِّسْبِيَّةُ الذَّاتِيَّةُ الَّتِي تُفَكِّكُ إِطْلَاقَهُ، أَوْ نَفْيُ الصِّفَةِ المَعْرِفِيَّةِ عَنْهُ بِمَا يُضْعِفُ قُوَّتَهُ التَّفْسِيرِيَّةَ.
وَبِقَوْلٍ مُخْتَصَرٍ: إِذَا كَانَتِ الحَقَائِقُ نِسْبِيَّةً وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالسُّلْطَةِ فِي عَصْرِهَا، فَإِنَّ قَوْلَ “الحَقِيقَةِ نَتَاجُ السُّلْطَةِ” إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ دُخُولُهُ فِي النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يُقَرِّرُهَا، أَوْ لَيْسَ حَقِيقَةً فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَفِي كِلَا الحَالَتَيْنِ يَنْشَأُ تَوَتُّرٌ فِي الادِّعَاءِ المَعْرِفِيِّ.
الاشكال الثامن:
يُثَارُ فِي إِطَارِ التَّصَوُّرِ الإِبِسْتِمُولُوجِيِّ الَّذِي يُقَدِّمُهُ ميشيل فوكو حَوْلَ عَلَاقَةِ المَعْرِفَةِ بِالسُّلْطَةِ إِشْكَالٌ يَتَعَلَّقُ بِمَدَى قَابِلِيَّةِ هَذَا التَّصَوُّرِ لِلتَّعْمِيمِ عَلَى جَمِيعِ أَنْمَاطِ المَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مَجَالَاتِهَا. إِذْ يَفْتَرِضُ هَذَا التَّصَوُّرُ—فِي أَحَدِ وُجُوهِهِ—أَنَّ إِنْتَاجَ الحَقِيقَةِ العِلْمِيَّةِ يَرْتَبِطُ بِشُرُوطٍ تَارِيخِيَّةٍ وَسُلْطَوِيَّةٍ تُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ مَا يُقْبَلُ بِوَصْفِهِ مَعْرِفَةً مَشْرُوعَةً دَاخِلَ كُلِّ سِيَاقٍ إِبِسْتِيمِيٍّ.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا الفَرْضَ يَوَاجِهُ اعْتِرَاضًا مَنْهَجِيًّا عِنْدَ تَطْبِيقِهِ عَلَى العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ، كَالْفِيزْيَاءِ وَالكِيمْيَاءِ، الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى آلِيَّاتِ تَحَقُّقٍ تَجْرِيبِيَّةٍ صَارِمَةٍ وَقَابِلَةٍ لِلتَّكْرَارِ وَالِاخْتِبَارِ، بِمَا يَجْعَلُ صِدْقَ نَتَائِجِهَا غَيْرَ قَابِلٍ لِلِاخْتِزَالِ إِلَى عَلَاقَاتِ القُوَّةِ أَوِ البُنَى الخِطَابِيَّةِ وَحْدَهَا. فَالنَّظَرِيَّاتُ الفِيزْيَائِيَّةُ الكُبْرَى، مِنْ قَبِيلِ النَّسَبِيَّةِ، لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ مَحْتَوَاهَا المَعْرِفِيِّ أَوْ صَلَاحِيَّتِهَا التَّنَبُّؤِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا مُجَرَّدَ نَتَاجٍ مُبَاشِرٍ لِتَأْثِيرَاتٍ سُلْطَوِيَّةٍ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ قَبُولِهَا أَوِ انْتِشَارِهَا دَاخِلَ المُؤَسَّسَاتِ العِلْمِيَّةِ خَاضِعًا، بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، لِعَوَامِلَ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَتَارِيخِيَّةٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ، يَنْشَأُ تَمْيِيزٌ إِبِسْتِمُولُوجِيٌّ ضَرُورِيٌّ بَيْنَ مُسْتَوَى “إِنْتَاجِ النَّظَرِيَّةِ العِلْمِيَّةِ” بِوَصْفِهِ نَشَاطًا مَعْرِفِيًّا تَحْكُمُهُ مَعَايِيرُ الدَّلِيلِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَبَيْنَ مُسْتَوَى “سِيَاقِ الِاعْتِرَافِ بِهَا” بِوَصْفِهِ مَجَالًا قَدْ تَتَدَاخَلُ فِيهِ الِاعْتِبَارَاتُ المُؤَسَّسِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ. إِنَّ الخَلْطَ بَيْنَ هَذَيْنِ المُسْتَوَيَيْنِ يُؤَدِّي إِلَى تَعْمِيمٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ لِمَقُولَةِ التَّشَكُّلِ السُّلْطَوِيِّ لِلْحَقِيقَةِ، بِحَيْثُ تُطَبَّقُ عَلَى جَمِيعِ العُلُومِ دُونَ مُرَاعَاةٍ لِلِاخْتِلَافِ الجَوْهَرِيِّ فِي بِنْيَتِهَا المَعْرِفِيَّةِ.
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِشْكَالَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي وُجُودِ تَأَثُّرٍ لِلْعَوَامِلِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي مَسَارِ المَعْرِفَةِ العِلْمِيَّةِ، وَإِنَّمَا فِي مَدَى مَشْرُوعِيَّةِ تَعْمِيمِ أَطْرُوحَةِ اخْتِزَالِ الحَقِيقَةِ إِلَى السُّلْطَةِ عَلَى العُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ ذَاتِ البِنْيَةِ التَّجْرِيبِيَّةِ الصَّارِمَةِ، الأَمْرِ الَّذِي يَسْتَدْعِي إِعَادَةَ ضَبْطِ العَلَاقَةِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالسُّلْطَةِ بِمَا يَحْفَظُ التَّمَايُزَ بَيْنَ أَنْمَاطِ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ.
وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ: لَيْسَ كُلُّ العُلُومِ تَتَأَثَّرُ بِالسُّلْطَةِ؛ فَعُلُومُ الطَّبِيعَاتِ كَالْفِيزْيَاءِ وَالكِيمْيَاءِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَأَثَّرَ بِالسُّلْطَةِ سَلْبًا أَوْ إِيجَابًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ نَظَرِيَّةَ النَّسَبِيَّةِ لِأَيْنْشْتَايْنَ جَاءَتْ نَتِيجَةَ تَأْثِيرِ السُّلْطَةِ فِي تَفْكِيرِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَقِيمُ قَبُولُهُ. نَعَمْ، إِنَّ العُلُومَ الإِنْسَانِيَّةَ كَعِلْمِ النَّفْسِ وَالِاجْتِمَاعِ يُمْكِنُ أَنْ تَتَأَثَّرَ بِالسُّلْطَةِ بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، نَظَرًا لِطَبِيعَةِ مَوْضُوعِهَا وَتَشَابُكِهِ مَعَ البُنَى الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ.
الاشكال التاسع:
يُطْرَحُ فِي إِطَارِ التَّصَوُّرِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ ميشيل فوكو بِشَأْنِ العَلَاقَةِ البِنْيَوِيَّةِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالسُّلْطَةِ إِشْكَالٌ إِبْسْتِمُولُوجِيٌّ وَمَعْيَارِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِإِمْكَانِ تَأْسِيسِ النَّقْدِ نَفْسِهِ دَاخِلَ هَذَا التَّصَوُّرِ. إِذْ يَفْتَرِضُ هَذَا المَنْظُورُ أَنَّ إِنْتَاجَ الخِطَابَاتِ المَعْرِفِيَّةِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ شَبَكَاتِ القُوَّةِ وَآلِيَّاتِهَا، بِمَا يَجْعَلُ “الحَقِيقَةَ” مُرْتَبِطَةً تَارِيخِيًّا بِبُنًى سُلْطَوِيَّةٍ تُحَدِّدُ شُرُوطَ إِمْكَانِهَا وَحُدُودَ تَدَاوُلِهَا.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا الفَرْضَ يُثِيرُ سُؤَالًا جَوْهَرِيًّا حَوْلَ الوَضْعِ المَعْرِفِيِّ لِلنَّقْدِ الفُوكَوِيِّ نَفْسِهِ: فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ مَعْرِفَةٍ مُشْتَرَطَةً بِعَلَاقَاتِ السُّلْطَةِ، فَأَيُّ مَوْقِعٍ مَعْرِفِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ الخِطَابُ الفُوكَوِيُّ فِي نَقْدِ السُّلْطَةِ؟ إِذْ لَا يَخْلُو الأَمْرُ، فِي هَذِهِ الحَالَةِ، مِنْ أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْتَرَضَ وُجُودُ مَوْقِعٍ مَعْرِفِيٍّ مُتَجَاوِزٍ لِشَبَكَاتِ السُّلْطَةِ يُمَكِّنُ مِنْ مُمارَسَةِ نَقْدٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ مَا يَتَعَارَضُ مَعَ أُطْرُوحَةِ التَّدَاخُلِ الشَّامِلِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ وَالقُوَّةِ؛ وَإِمَّا أَنْ يُفْهَمَ الخِطَابُ النَّقْدِيُّ بِوَصْفِهِ إِنْتَاجًا خِطَابِيًّا دَاخِلِيًّا ضِمْنَ عَلَاقَاتِ السُّلْطَةِ ذَاتِهَا، وَالأَمْرُ الَّذِي يُفْقِدُهُ أَيَّ امْتِيَازٍ مَعْيَارِيٍّ أَوْ تَفَاضُلٍ مَعْرِفِيٍّ يُمَيِّزُهُ عَنْ الخِطَابَاتِ الَّتِي يَنْقُدُهَا.
وَعَلَى هَذَا، يَنْشَأُ تَوَتُّرٌ دَاخِلِيٌّ فِي البِنْيَةِ النَّظَرِيَّةِ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ نَفْيَ إِمْكَانِيَّةِ المَعْيَارِ الخَارِجِيِّ لِلنَّقْدِ يُؤَدِّي إِلَى تَقْوِيضِ الأَسَاسِ الَّذِي يُمَكِّنُ مِنْ تَفْضِيلِ خِطَابٍ نَقْدِيٍّ عَلَى آخَرَ، بِحَيْثُ يَغْدُو النَّقْدُ—فِي أَفْضَلِ صُوَرِهِ—مُجَرَّدَ إِعَادَةِ تَمَوْقُعٍ دَاخِلَ شَبَكَةِ السُّلْطَةِ نَفْسِهَا، لَا تَجَاوُزًا لَهَا. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ إِشْكَالٌ مَعْيَارِيٌّ أَعَمُّ يَتَمَثَّلُ فِي إِمْكَانِ الوُقُوعِ فِي نَوْعٍ مِنَ “التَّكَافُؤِ الخِطَابِيِّ” الَّذِي يُضْعِفُ القُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخِطَابِ النَّقْدِيِّ وَالخِطَابِ التَّبْرِيرِيِّ، بِمَا يُفْضِي إِلَى شُبْهَةِ تَعَطُّلٍ فِي الإِمْكَانِ السِّيَاسِيِّ لِلنَّقْدِ المَعْيَارِيِّ.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد رسوله واله
الشيخ عباس الجشعمي 24 / شوال / 1447
13 / 4 / 2026
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ